من العين الى اقلب


في المسعى الدائم لتوفير محتوى عربي معاصر علمي و فكري وأدبي وفني، وفي جوّ دروب الحميمي الشفاف بين كتابه وقرائه، وتشجيعا للشباب العربي في اقتحام آفاق كتابة وموضوعات جديدة تقدم للقارئ بالعربية آينما كان،نفتح هذه النافذة الأفق للجميع للمساهمة بتقديم مقالات


    جريدة الشرق الاوسط في حوار مع محمد شكري

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 351
    نقاط : 35478
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 21/06/2009
    العمر : 25
    الموقع : http://maxinfo.ace.st

    جريدة الشرق الاوسط في حوار مع محمد شكري

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد 31 يناير 2010 - 17:25










    مد شكري يعيش وحيدا مع سلحفاة .. لأن زواره يتصرفون كالتتار
    الروائي المغربي: ما ذنبي إذا ظل البعض فقيرا بينما عرفت كيف أستر حالي .. فهل يريدونني أن آكل دائما فضلات السوق * العرب ما زالو في الطابق السفلي ينتظرون الصعود * اليوم أقضي وقتا أكبر في البيت


    طنجة: عبد الله الدامون
    محمد شكري من الكتاب القلائل في العالم العربي الذين لا يحتاجون الى تعريف او تقديم الى القارئ، فمنذ أن أصدر روايته «الخبز الحافي» في مطلع الثمانينات، طالت شهرته جميع الافاق حتى اصبح شكري نفسه يتضايق من الصيت الذي أعطي لروايته لأنها سرقت عنه كل الاضواء وجعلته يعيش تحت رحمتها. واذا كان شكري قد عرف ككاتب وكاتب قصة فإن القليل من الحوارات التي أجريت معه وبمختلف لغات العالم لم تستطع أن تسبر غور الكاتب لترسم صورة مقربة عنه، كما يحاول أن يفعل في هذا الحوار المفتوح عبد الله الدامون من طنجة (شمال المغرب) الذي اختار لمحاوره اسئلة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها بعيدة عن المألوف قريبة منه بما أنها تتمحور حول العادي واليومي في حياة كل واحد منا.
    * نحن نجلس الآن في مكان ليس غرفة عادية ولا هو شرفة، ماهي قصة هذا المكان بالضبط؟
    ـ هذا الجزء من المنزل الذي نجلس تحت سقفه أنا الذي صنعته. فهو لم يكن موجودا من قبل. إن قصته طريفة. ففي يوم من الايام اتصلت بالطاهر بنجلون وسألته لماذا لم يعد ناشر كتبي «ماسبيرو» يرسل لي المال كالعادة، فقال لي الطاهر بنجلون ان كتابي بيع في البداية وان الأهم هو ما اخذته في البداية لذلك يجب ان اقبل ما يرسل إلي الآن من تعويضات رمزية. لكن في أحد الايام تحدثت حول الموضوع مع الصديق عبد القادر شبيه الذي كان يزورني بين الفينة والأخرى، وبما انني لا اعرف الكتابة بالفرنسية رغم أني اقرأها وأتحدثها، بلغة الشارع طبعا، لذلك طلبت منه ان يكتب لي رسالة إلى «ماسبيرو» لكي اعرف ما يحدث. بعد ذلك عرفت أن الناشر الفرنسي «ماسبيرو» باع اسهمه في شركة النشر وترك فقط اسهما رمزية.
    بعد ذلك تلقيت جوابا يفيد بأن هناك بعض المال. طلبوا مني عنواني من جديد ثم ارسلوا لي حوالي أربعين ألف درهم (نحو أربعة الاف دولار أميركي). بهذا المال الذي تلقيته انشأت هذا البيت الجديد في السطح. حدث ذلك قبل عشر سنوات، وهو مازال في حالة جيدة كما ترى. في بعض المرات، وحين تكون رياح الشرق قوية، اقول مع نفسي بأن كل هذا سيذهب مع الريح ولن اجد له اثرا في الصباح، لكنه ظل صامدا في وجه عاديات الزمن.
    * أنت تكتري هذا المنزل أم هو ملك لك؟
    ـ أكتري هذا البيت بمائتين وخمسين درهما (نحو 25 دولارا). كان ذلك هو سعر الإيجار عام 1971 وهي السنة التي استقريت فيها هنا، كان سعر ايجار البيوت في طنجة وقتها رخيصا، رغم أن هذا السعر كان وقتها مرتفعا مقارنة مع راتبي الشهري كمعلم.
    * ما الذي أغراك في هذه الشقة بالضبط؟
    ـ شيئان، إنها قريبة من المدرسة التي كنت ادرس فيها، ثم باحة الشرفة. فعندما أغسل ملابسي لا اجد نفسي مضطرا لنشرها فوق سطح العمارة. كما انني استغلها من اجل تزيينها بانواع من النباتات إضافة إلى بعض الحيوانات. فقد عاش معي كلب هنا اكثر من سبعة عشر عاما، و«نمسان». الآن تعيش معي سلحفاة واحدة بينما ماتت السلحفاة الأخرى.
    * ما هو سر ولعك بالحيوانات؟
    ـ السبب الاول هو اني غير متزوج
    * هل هو تعويض عن....؟
    ـ لا.. ليس الامر مسألة تعويض. إنها اشياء نابضة بالحياة سواء كان طيرا ام سلحفاة. لم أعد الآن استطيع تربية الكلاب. فالكلب الذي كان معي شاخ بطريقة سيئة وصرنا نغسله بأنبوب الماء. الامر مختلف مع الطيور او السلاحف. فالسلحفاة لا تعرفها متى تشيخ حتى تراها ميتة دون أن تظهر عليها علامات الشيخوخة. إنها لا تعاني مثل الكلب الذي يتحرك بصعوبة في شيخوخته ويضعف بصره ويسقط عنه الزغب فيصير منظره محزنا. الطيور كذلك تظل تقفز وتزقزق في القفص حتى تسقط ميتة دون سابق إشعار.
    * هذا يعني أن الطيور والسلاحف تموت ميتة كريمة؟
    ـ بالفعل. إنها تموت ميتة كريمة ومستورة ونبيلة. ثم اني افتقد السلحفاة رغم أنها تعيش معي في منزل واحد ولا أراها سوى مرة كل ثلاثة اشهر أو اربعة. كانت صغيرة مثل علبة عود ثقاب والآن صارت كبيرة مثل صحن طيني.
    * والطائر الملون الذي في القفص ما اسمه؟
    ـ اسمه موزار.
    * لماذا اسم موزار... هل لأنه يبدع في الغناء؟
    ـ أسميته موزار لأنه كان لي طائر مات اسمه موزار، فأتيت بهذا وأطلقت عليه نفس الاسم.
    * صعدت عندك حتى الطابق الرابع راجلا لأنه لا يوجد مصعد في العمارة. هل تحملت كل هذا الصعود والهبوط دون كلل منذ سنة 1971؟
    ـ صاحب العمارة محق، فما نؤديه كمقابل لسعر الإيجار لا يمكن ان يوفر حتى صيانة المصعد. أقول لك شيئا، لقد كنت في نزاع مع ورثة مالك العمارة وحكمت المحكمة لصالحي ضد مطالبهم برفع سعر الايجار. ومع ذلك فقد تم رفع سعر الايجار خمسين درهما ليصبح ثلاثمائة درهم في الشهر (نحو 30 دولارا).
    * من هم زوارك في بيتك؟
    ـ قبل حوالي عشرين عاما، وخصوصا خلال الصيف، كان هذا البيت مقصدا للكتاب المفلسين الذين لا يملكون ما يؤدون به غرفة في فندق. كانوا ينامون حيثما اتفق. كانوا يتكورون في أي زاوية وينامون. كان البيت عبارة عن مخيم، بينما البعض يأكل ترى البعض الآخر ينتظر أو يطهو طعاما آخر.
    مع مرور الوقت، لم أعد استقبل عددا كبيرا من الزوار، سواء من داخل طنجة او من خارجها. ففي ذلك مضيعة للوقت. لان بعض الضيوف يتصرفون مثل التتار، يلتهمون ويشربون كل شيء رغم انهم حين يأتون لا يحملون معهم اي شيء. والاسوأ من كل هذا أن بعض ملابسي واشيائي بدأت تختفي.
    * من هم هؤلاء، هل هم مغاربة ام اجانب؟
    ـ إنهم خليط من البشر. فيهم الكتاب وفيهم غير الكتاب، فليس من المعقول أن يكون كل اصدقائي من الكتاب. صارت بعض الكتب ايضا تختفي. في احدى المرات فتحت عيني فوجدت احدهم يملأ علبة بلاستيكية بالكتب. سألته عما يفعل فقال لي بأنه سيردها لي بعد قراءتها رغم أنه لم يستأذني. أخذت منه الكتب وطلبت منه أن ينزل الأدراج بسرعة قبل ان يحدث شيء.
    زواري الآن قليلون مثل الزبير بن بوشتى (كاتب مسرحي) والاخوان اسليكي (ناشران)، وفي بعض الأحيان ونادرا جدا يأتي الصحافي عبد اللطيف بن يحيى أو المحامي بهاء الدين الطود، وأحيانا يأتي بعض الاجانب سواء من العرب أو الأوروبيين
    * من هم الزوار الأجانب الذين ما يزالون يقصدون بيتك؟
    ـ يأتي حسونة المصباحي مثلا كل صيف، وصديق آخر من جبل طارق، كما أن هناك صحافيين يأتون وأستقبلهم باستمرار.
    لقد تعودت أن اعيش تحت هذا السقف وحدي، لذلك فإني لم أعد أتحمل الإزعاج الذي يسببه لي البعض، بحيث يجب ان تنام وقت ينام وتستيقظ وقت يستيقظ. أنا اريد أن أنام متى اريد واستيقظ متى أريد. حين يكون الصديق مفلسا أكتري له غرفة في فندق ليوم أو يومين. الايام تغيرت والمشاغل كذلك، وبيتي صار ضيقا ومملوءا بالكتب. في السابق كان الاختلاط بالناس مهما، أما اليوم فالعكس. لا أختلط بالناس إلا نادرا في بعض الحفلات أو المناسبات، ربما يعود ذلك إلى عامل السن.
    وهذه الكتب التي تملأ كل مكان في البيت ماذا تفعل بها مع مرور الوقت؟
    ـ أهبها لبعض الاصدقاء. أقدم لهم بعض الكتب لأنهم لا يتوفرون على إمكانيات لشرائها، لذلك أهديها لهم.
    * هل يمكن أن اكون أنا ايضا محظوظا وأخرج من بيتك بكتاب أو كتابين؟
    ـ (بعد تفكير وابتسام) الله أعلم.
    * أين كتبت رواية «الخبز الحافي».. هل في هذا البيت؟
    ـ كتبتها بشكل مشتت. كتبتها في أماكن متعددة، في المطعم والمقهى والجبل والبحر. كنت أحمل أوراقا وقلما وأينما عنت لي فكرة أجلس وأكتب. الفصل الأول من الرواية كتبته في مقهى «روكسي». ففي الوقت الذي وقعت فيه عقدا مع الناشر لم أكن كتبت ولا كلمة واحدة من الرواية ومع ذلك قلت له بأني أنهيت الرواية. اقترضت خمسين درهما (5 دولارات) من «بول بولز» ثم جلست أكتب الفصل الأول.
    الآن لا أستطيع الكتابة في المقهى. ففي السابق لم أكن معروفا، أما الآن فلم أعد اجلس في المقهى إلا نادرا. أحيانا يراك شخص جالسا في المقهى فيأتي نحوك محييا «أهلا السي شكري.. كيف حالك.. هل من جديد؟» ثم يطلب قهوة بخمسة دراهم ويجلس يناقش معك فكرة أو كلمة كتبتها لمدة ساعة ونصف. بعض الناس مزعجون وللشهرة مساوئها ايضا بينما محاسنها قليلة بالنسبة لي. إن ما تسببه من الإزعاج اكثر بكثير من إيجابياتها.
    * رأيتك مرة تحتج صارخا في الشارع بعد أن أزعجك احد المتسولين الذي ألح في السؤال، ربما يعتقد أنك غني، حتى فقدت اعصابك.. هل هذه إحدى مساوئ الشهرة؟
    ـ بالفعل. يأتيك شخص ويطلب منك مالا. أنا ايضا لم يكن لدي شيء لكني لم أكن اطلب من احد عشرة دراهم أو مائة. إنها واحدة مما أسميها بمساوئ «العلاقات القديمة».
    لقد بذلت مجهودا فلماذا لا يبذل الآخرون نفس المجهود من أجل تدبير حالهم، وسواء كان عندي مال كاف أو لم يكن فهذه مسألة تخصني وحدي، فحتى لو رضع معي شخص من ثدي واحد فإني لا أعتبر نفسي مسؤولا عنه ولا عن أخوته، فكل واحد يتدبر أمره بطريقته، ما ذنبي إذا ظل البعض فقيرا بينما عرفت كيف أستر حالي. ثم إن الغنى ليس عيبا، هل يريدونني أن أتآخى مع البؤس وآكل دائما فضلات السوق، مرة كنت في الشارع فاقترب مني لص وفتح لي حقيبتي فانتبهت إليه وسألته عما يريد فاعتذر. كان قربي شرطيان وكان بإمكاني ان أدلهما على اللص، لكني لم أفعل. اعتذر اللص مرة أخرى وانصرف. يجب ان يكون لدى الناس مرونة العيش، أما التشنج فلن يفيد شيئا.
    * ماذا تعني لك الامكنة، خصوصا بيتك؟
    ـ كل واحد ينظر إلى بيته بطريقته الخاصة. أنا لي حميمية خاصة مع الأماكن، سواء مع بيتي هذا أو مع أماكن أخرى أجلس فيها. ليس ضروريا أن تكون هذه الأماكن ذات جمال خاص، المهم بالنسبة لي هو ان يكون المكان مريحا. يمكن ان اقول ان لي علاقة صداقة مع الأمكنة، فالصداقة لا تكون مع البشر فقط، بل يمكن ان تكون مع الحيوانات أيضا.. أو حتى مع الجدران.
    * ولك ايضا حميمية مع مدينة طنجة بشكل عام، فاسمك صار مرتبطا باسم المدينة؟
    ـ أنا شبه مؤرخ جوال في المدينة. الناس الذين عرفتهم شبانا رجالا ونساء صاروا شيوخا. الأماكن ايضا لها تاريخها ونسجت علاقات معها. أحيانا، ولكي لا أمل من الامكنة التي أحبها فإني أغيب عنها وقتا طويلا. مثلا، لم أزر «السوق الداخل» منذ عدة شهور، وكلما أعود إليه أجده في شكل جديد رغم انه صار سيئا ولم يعد كما كان. هناك ايضا بعض الاماكن الشاطئية التي أرتادها باستمرار.
    * أين تنام في هذا البيت، هل في مكان واحد أم تغير الامكنة؟
    ـ ذلك يختلف حسب الفصول. ففي فصل الشتاء أنام هنا (غرفة قريبة من الشرفة)، أما في فصل الصيف فأنام في الغرفة الأخرى، أما السبب فلأن الغرفة الأخرى تتوفر على فراش كبير بحيث يمكنني أن أتنقل من الجهة التي تصبح دافئة إلى الجهة الأخرى الاكثر برودة، إنه فراش يتيح لي حرية التنقل مثل سمكة.
    هذه الغرفة التي نجلس فيها أكثر حميمية في فصل الشتاء، ففيها جهاز تلفزيون وأستقبل فيها بعض الاصدقاء.
    * تؤثث منزلك بديكور وأثاث متنوع وتحف، هل هذه الساعة الحائطية العتيقة تعمل جيدا أم أنها فقط تتكئ على الجدار؟
    ـ الحقيقة أنه لا يهمني أن تعمل أم لا. إن عمرها يزيد عن مائة وعشرين عاما، وسواء تحركت عقاربها ام لا فالمهم هو أنها ديكور جيد. هناك اشياء اهم على الجدار. أنظر إلى صورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، جدي وجدك، حتى لو لم تكن ريفيا، قربها صورة لي عندما كان عمري ثمانية عشر عاما، وقربهما صورة لنا مع وزير الثقافة محمد الاشعري في مدينة اصيلة، وصور أخرى كثيرة.
    * وكل هذه الكتب التي تسكن معك، ألا تحس بأنها ستطردك من البيت قريبا؟
    ـ إنها كتب كثيرة بالفعل، لكنها كتب من نوع خاص، بينها حوالي مائة مؤلف من مؤلفات «بول بولز» (كاتب اميركي استقر في طنجة ومات قبل ثلاث سنوات)، وهي كلها موقعة ومترجمة إلى لغات كثيرة من بينها اللغتان الفنلندية واليابانية.
    * إذا لم تكن تعرف اللغة الفنلندية أو اليابانية فما جدوى احتفاظك بهذه الكتب؟
    ـ إن أهميتها تكمن في كونها موقعة من طرف الكاتب نفسه، وهناك نسخ اشتريتها بمائة درهم مثلا تساوي الآن أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم. لدي كتاب يساوي عشرة آلاف درهم (حوالي ألف دولار) لأنه موقع منذ سنوات طويلة، كانت هناك نسخة من روايتي «الخبز الحافي» تحمل الرقم التسلسلي 900 وصل سعرها الآن إلى عشرة آلاف درهم، فما بالك إذا كان رقمها التسلسلي اثنين او ثلاثة لربما وصل سعرها إلى اكثر بكثير. هناك أناس يحبون جمع هذا النوع من الكتب كشكل من اشكال التحف، لكن للاسف لا يوجد هذا النوع من الهواية في العالم العربي، فنحن مازلنا في الطابق السفلي وما زلنا ننتظر الصعود إلى الطابق العلوي.
    * هناك كتب في كل مكان في البيت، كتب مرمية على الأرض. ألا تحاول احيانا جمعها وإعادة ترتيبها؟
    ـ لا.. ابدا. إنها تملأ علي المكان. فحينما استيقظ كل صباح أوزع نظراتي عليها وعلى كل شيء. ربما لأنها تعوضني عن الاسرة كنوع من الحميمية التي أربطها مع الاشياء. فحتى السيدة التي تأتي للعناية بالمنزل لا تقترب من هذه الكتب لأني اشترطت عليها ذلك. احيانا اعيد ترتيبها وأفضل تمزيق الاشياء التي لا تستحق الاحتفاظ بها.
    * هل تعتني بشؤون البيت بنفسك؟
    ـ هناك سيدة تأتي يوميا للعناية بشؤون البيت، تقضي في ذلك حوالي ساعتين أو ثلاث.
    * وهذه العطور المتراصة في البيت تدل على ان لك ميلا خاصا نحو الاناقة؟
    ـ من الممكن ان أكون فوضويا في الشارع لكن في بيتي الأمر يختلف. العطور مسألة ضرورية.
    * كيف حال المطبخ في بيتك، وهل تطبخ بنفسك؟
    ـ قمت بتعليم الطبخ للسيدة التي تأتي للعناية بالمنزل ثم صارت هي التي تتكفل بذلك، أما أنا فلم أعد أطبخ إلا نادرا، وخصوصا حين يأتي بعض الاصدقاء حيث أتطوع واطبخ لهم.
    * تطبخ لهم كما لو كنت توقع لهم كتابا؟ ـ (يضحك) الطبخ يأخذ وقتا اطول، والآن لم أعد أملك نفس النشاط، لذلك فإني صرت أستغل الوقت الذي أمضيه في الطبخ أمام جهاز الكمبيوتر.
    * هل تتقن التعامل مع هذا الجهاز؟
    ـ إني أفهم التعامل معه، أما الإتقان فهذه مسألة أخرى. إني أقوم بما هو ضروري لأن الكمبيوتر بحر كبير.
    * ما هي الاطباق التي تجيد اعدادها؟
    ـ هناك أطباق كثيرة، لكني أطبخ السمك بشكل جيد، وكذلك الدجاج واللحم بالملوخية، وهذه الاكلة أفضلها في فصل الصيف بالخصوص. الشيء الذي لا أتقنه هو «السلطات»، والحقيقة أن الوقت الذي تأخذه في الإعداد يتعبني، لذلك فإني أشتريها جاهزة في الكثير من الأحيان، أو أشتري مكوناتها في المعلبات ثم أعدها بشكل سريع لكني قمت بعمل جيد حين علمت الطبخ للسيدة التي تعتني بالمنزل فصرت أعتمد عليها كثيرا، خصوصا وأن النساء لا يزعجهن قضاء الكثير من الوقت في المطبخ، وهن في كل الأحوال يتقن الطبخ أكثر من الرجال. أحب أيضا «البقولة» والسبانخ، لكنني لا أتقن اعدادها رغم أنها رخيصة الثمن ويمكن لوجبة «بقولة» سعرها درهمان أن تغدي شخصين.
    * والكسكس.. أين موقعه داخل مطبخك؟
    ـ لدي مشكل مع الكسكس. كان عمري سبع سنوات حين مات خالي، وبمناسبة الجنازة أعدوا الكسكس في المنزل كما هي العادة، ومنذ ذلك الحين اختلط في ذهني الكسكس برائحة الموت. لكن هذا لا يعني أني لا آكله تماما. أتناوله مرة كل سنة أو سنتين. ثم اني لا أفهم لماذا يتكلم الجميع عن الكسكس. أنا لي ذوقي الخاص.
    * كم ساعة تقضي في منزلك يوميا، خصوصا وأنك تقول دائما بأنك مؤمن بتقاليد الجلوس على مقعد لعدة ساعات من أجل الكتابة؟
    ـ ذلك مرتبط بمراحل العمر، ثم اني لا اكتب بشكل يومي، بل أكتب بطريقة مزاجية بحيث يمكن ألا أكتب لمدة سنة أو سنتين، بل اجمع التفاصيل في ذهني وحين اجلس للكتابة أنهي الكتاب في شهر، كما فعلت مع رواية «زمن الاخطاء» التي كتبتها في شهر رمضان بحيث لا أفتح الباب لأحد ولا أخرج سوى لقضاء الأغراض وأخذ البريد ثم أجلس للكتابة أربع عشرة ساعة في اليوم وأرتاح باقي اليوم. أحيانا ايضا أكون مرتبطا في نفس الوقت بإعداد برامج إذاعية، لكنها لا تأخذ مني وقتا طويلا أنا اليوم أقضي معظم وقتي في المنزل أكثر مما كنت أفعل سابقا. في الماضي كنت أبقى خارج المنزل حتى ساعات الصباح الأولى، أما اليوم فقد ذهب الاصدقاء الذين كنت أقضي معهم وقتي، البعض شاخ والبعض مات.
    * وكيف تقضي وقتك الآن في المنزل؟
    ـ أحيانا أتفرج على بعض القنوات التلفزيونية التي تعجبني مثل البرامج الوثائقية في القناة الإسبانية الثانية أو القناتين المغربيتين حين يكون هناك برنامج مهم، إضافة إلى القناة الفرنسية الخامسة أو قناة «ايه. آر. تي» أو قناة «الجزيرة». إني أحدد من قبل ما يمكن أن أراه في التلفزيون، فلا يمكن أن أمضي وقتا طويلا أمامه.
    * في منزلك الكثير من الاسطوانات الموسيقية؟
    ـ أخصص وقتا مهما من أجل الاستماع إلى الموسيقى خصوصا الكلاسيكية وموسيقى الشعوب. لم تعد أذناي تتحملان الاستماع إلى ما يسمى بالطرب أو الأغاني بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة، باستثناء بعض الأغاني القديمة لأم كلثوم أو اسمهان أو أغاني نادرة مثل سليمة مراد وعالية الأطرش، والدة فريد الاطرش، أو «نادرة» و«حسيبة رشدي». للاسف فإن الأجيال الجديدة لا تعرف هؤلاء. كما تعجبني أغاني الشيخ العنقة الجزائري وصبيحة التونسية. عندي أغنية لمحمد عبد الوهاب حين كان عمره سبعة اعوام وهي «ألفيتها ساهرة». لدي ذكريات كثيرة مع هذه الأغاني القديمة هناك أيضا موسيقى الشعوب مثل الإغريقية والهندية وباقي أنواع الموسيقى الشعوبية، وليس الشعبية، في العالم كله.
    * والموسيقى المغربية ماذا يعجبك فيها؟
    ـ تعجبني رقصة «أحواش» والموسيقى الاندلسية، إضافة إلى بعض القطع للمرحوم المعطي بنقاسم، ثم نعيمة سميح، عبد الهادي بلخياط خصوصا في اغانيه القديمة لسنوات الستينات. هناك ايضا لطيفة أمال وخاصة عندما تغني الملحون.
    * هل تمارس نوعا من أنواع الرياضة؟
    ـ كنت في السابق اقف على يدي على حافة الشرفة كنوع من أنواع التحدي، أما الآن فعمري سبعة وستون عاما. الآن أمارس رياضة المشي بين الفينة والأخرى. للعمر أحكامه ايضا ولا يمكن ان أكون كما كنت في الخامسة والعشرين من عمري.

    جريدة الشرق الاوسط

    _ فبراير 8 2003

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 20:12