من العين الى اقلب


في المسعى الدائم لتوفير محتوى عربي معاصر علمي و فكري وأدبي وفني، وفي جوّ دروب الحميمي الشفاف بين كتابه وقرائه، وتشجيعا للشباب العربي في اقتحام آفاق كتابة وموضوعات جديدة تقدم للقارئ بالعربية آينما كان،نفتح هذه النافذة الأفق للجميع للمساهمة بتقديم مقالات


    محمد شكري : الروائي المغربي المعروف صاحب الخبز الحافي :اعترافات طفولة مشاغبة معذبة مثيرة للجدل والمتعة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 351
    نقاط : 35498
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 21/06/2009
    العمر : 25
    الموقع : http://maxinfo.ace.st

    محمد شكري : الروائي المغربي المعروف صاحب الخبز الحافي :اعترافات طفولة مشاغبة معذبة مثيرة للجدل والمتعة

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد 31 يناير 2010 - 18:46

    سيار الجميل


    ادعو العالم لأن يكونوا مثلي .. فليس هناك ألذ من قول ما يعلم "
    شكري

    هذا الروائي المغربي الاستثناء الذي اثار جدلا واسعا في الثقافة العربية المعاصرة .. هذا الانسان الذي عاش حياته بمعنى آخر كان هو نفسه يدركه ويستمتع به .. هذا الرجل صغير الحجم الذي لا تهمه الاعتبارات والقوالب والروادع .. لأنه تعّلم كيف يكون ليس حرا فحسب ، بل متمردا من اجل قتل تاريخ مزيف .. هذا الذي لم يكن معروفا بعد عندما رأيته والتقيت به في طنجة التي كنت امر بها لآعبر من خلالها او عبر سبته مضيق جبل طارق نحو اسبانيا .. كما لو كان طفلا شقيا يلهو ويلعب حتى بكلماته وتعابيره ولا يتوانى في ان يطلب منك ما يشاء .. هذا الذي تأخر انتاجه وابداعه كونه بقي لا يعرف القراءة والكتابة حتى بلغ العشرين من العمر .. هذا الذي لا يهمه ان يبيح جملة من المحظورات كونه لا يعرف الزيف ولا كل اشكاله ! هذا الذي لا يهمه في ان يقول ما يؤمن به وما يعلمه ولا تهمه عواقب ما يقول .. ربما هذا ما اتذكره في الراحل محمد شكري الذي عرفته منذ عشرين سنة رفقة اصدقاء من ادباء وفنانين مغاربة لي منهم : اليطيفتي عبيد والمنّظري جواد وبوستة عيسى وزرهوني رحمة وغيرهم.
    من هو محمد شكري ؟
    ولد الصديق المبدع محمد شكري في العام 1935 في بني شيكر ونشأ طفلا مشاغبا لا يعرف الاستقرار ، ولكنه ايضا لم يعرف المدرسة ولم يتعّلم القراءة والكتابة ! وصل الى طنجة وعمره سبع سنوات عندما جاء رفقة اسرته الامازيغية مشيا على الاقدام من جبال الريف المغربي، ولم يكن يعرف يتكلم اللغة العربية، مما وضعه في مأزق وحيرة في التواصل مع أقرانه. كان الفقر المدقع سبب رحيلهم إلي طنجة سنة 1942، خصوصا وان المجاعة قد ضربت ندوبها مسقط رأس أسرته ، وبعد طنجة ذهبت أسرته إلي تطوان، لكنه هو نفسه اختار العودة إلي طنجة، ليستقر فيها بمفرده، واشتغل لفترة في التعليم معلما وكان يرى في هذا المجال اساسا لبناء المجتمع سيما والتربية السيئة التي تلقاها محمد شكري من والده تركت في نفسه ندوبا هو وإخوته وسببت له ندوبا وجروحا ! ومحمد شكري خير مثال للمعلم الذي أبدع أدبا رفيع المستوي ، ولكن لا استطيع ان اتخّيل محمد شكري معلما فمهنته اديبا متميزا لا معلما خاملا !! انه خلق للابداع والكلمة .. وقد سمعت في ما بعد بأن رؤيته وطموحه قد تحققا ، فلقد غدت مؤلفاته عند صدورها تعتبر حدثا ثقافيا، كان يعتز بأنه كتب رواية (الخبز الحافي) حيث أكد بأنه كتب سيرته الذاتية بلا مجد، علي خلاف البعض الآخر من الكتاب الذي يعتبر أن السيرة الذاتية يجب أن تكتب في نهاية أدبية حافلة كتتويج أدبي وتراثي .
    لقد عانى المبدع محمد شكري معاناة طويلة مع المرض، الذي لم يمهله طويلا ليبقى مع اصدقائه فاهم ما لدى الرجل اصدقاوءه ، فهو لا يهمه اي شيىء الا اصدقاؤه ، وسمعت انه في الفترة التي قضاها بين المستشفيات ما بين مدينتي طنجة والرباط عاش بكبرياء، كأن المرض لم ينل منه ، وكنت اسأل عنه واترقب اخباره بعد انقطاعها من اصدقائي القدماء حيث ظل يغالب المرض وهو يبتسم صادقا مع أصدقائه وزملائه ومترجما سيرته ويوم الاثنين 17 كانون الثاني (نوفمبر) 2003، انطفأت شمعة حياته بطنجة وفي محفل رهيب كان العالم كله يطلب شفاؤه .. ووري جثمانه الثرى بمشاركة نخبة كبيرة من الأدباء والشعراء والفنانين المغاربة وشخصيات من رجال الدولة والسياسة والفن . ولقد كتبت عنه في تأبينه بعض ما جادت علّي ذاكرتي عنه اذ لم تزل صورته القديمة مرسومة عندي ولا يمكنها ان تنمحي ابدا ، ولم ازل اذكر تعليقاته السريعة على تلك الحرب الدموية المأساوية التي كانت تطحن كل من العراقيين والايرانيين في محرقة كما كان يسميها بين فئتين حاكمتين غارقتين في اوحال التطرف والتعصب !!
    ما مؤلفاته ؟
    ويمكننا التعرف على مؤلفات الروائي محمد شكري التي من اشهرها : الخبز الحافي من منشورات لوسوي 1981 وقد ترجمها إلي الانجليزية بول بولز سنة 1973، وترجمها إلي الفرنسية الطاهر بنجلون سنة 1981.. ويحكي فيها عن طفولته البائسة وعن المنفي. وقد منعت هذه الرواية أو السيرة الذاتية حتى حدود سنة 2000 ! وله : زمن الأخطاء وهو القسم الثاني من سيرته ، وهو مؤلفه الثاني الذي يقدم فيه بانوراما المراهق يتعلم العربية ويذهب إلي المدرسة وفي نفس الوقت يخالط الطبقات السفلي بطنجة. ويكملها بكتاب : وجوه وهو يتضمن الجزء الثالث من السيرة الذاتية. وكتب محمد شكري : المولع بالورد ( مجموعة من القصص ) ، ثم اعقبها بـ " الخيمة " (مجموعة من القصص ) . وله : السعادة ، وهي رواية مسرحية. وله : زوكو الصغير. وجون جيني في طنجة . وتنيسي وليامز ( مذكرات ) . وله غواية الشحرور الأبيض. وآخر ما نشر : زوكو ديفليز في العام 1996. هذا ما وقفت عليه من مؤلفات الرجل ، وربما كان قد ترك من بعده بين خزين اوراقه ومسوداته ابداعات اخرى نتمنى ان يكشف عنها في المستقبل لتكون بين ايدي الناس .
    الخبز الحافي والمغرب مزروع في دمه
    هذا الكتاب هو الذي اشهر محمد شكري وخلق له مجده الادبي في الساحة العربية ، وهو الكتاب الذي منعته دول وحكومات من ان يدخل الى بلدانها ، فزاد من شعبيته والدعاية له ! وهذا الكتاب هو الذي جعله محظوظا جدا لكونه يعيش من مردودية كتاباته . وقد ارتبط كل من إسم محمد شكري وكتابه " الخبز الحافي " بمدينة طنجة وكان لا يبرح علي مفارقتها، ما أن يذهب إلي مدينة أخرى للمشاركة في لقاء ثقافي، سرعان ما يقفل عائدا إليها، وهي الحضن الرحيم الذي يتسع لكل شغبه الطفولي. قال لي مرة ونحن نجلس في واحدة من مقاهي طنجة وكان يلبس قبعة خضراء واسعة لا تتناسق مع ملابسه القديمة وجسمه النحيل : انني اختنق عند مغادرتي طنجه ولا اعرف كيف اكتب .. انها عالمي الواسع كله .. هي التي صنعت من خلالي الخبز الحافي .. وكانت الرواية قد صدرت حديثا ، وبدأ الناس يتحدثون عنها وكأنه كان قد أرّخ المجتمع السفلي هناك .. لقد كان شكله مثيرا للجدل وقد وصف في روايته ذلك المجتمع بكل ما يزدحم فيه من الكائنات المسحوقة وكتل المهمشين وخبايا علب الليل والمجانين والمقامرين والفنانين بكل كائناتها التي لا تعرف غير الالوان الليلية الحمراء .. وقد كان رائعا في توصيف الحياة بكل وضوحها ..
    ويعتبر رواية (الخبز الحافي) بأنها كانت علاجا، بها استعاد توازنه النفسي، لكن العديد من القراء لم يستسيغوا الأمر. وكانت السلطات المغربية في العام 1983 قد منعت رواية (الخبز الحافي)، وذلك بناء علي عرائض وقعها البعض من فئات المتزمتين، وبذلك اختفت رواية (الخبز الحافي) من المكتبات والأكشاك التي تشتهر المغرب بها لبيع الكتب او لكرائها ( اذ ثمة عادة وجدتها في المغرب الاقصى ان يؤجر الكتاب لايام من اجل قراءته فقط ) ، وبالرغم من ذلك ظل الكتاب أكثر قراءة من طرف المولعين بأدب محمد شكري. وبالسوق السوداء كانت تباع وتؤجر عشرات الاعداد من نسخ هذا الكتاب، بعدما تم استنساخها بواسطة الفوتوكوبي. وهذا أمر كان لايعجب محمد شكري لأن فيه هضم لحقوقه المادية هو في أمس الحاجة إليها. قال محمد شكري بأن روايته ( الخبز الحافي ) الذي اسماه بالكتاب الملعون الذي ان لم يكتبه لأصيب بالجنون أو انتحر، حيث كان وقت ذاك خارجا من حياة صعبة للغاية .
    ما الذي اتذكره من محمد شكري ؟
    لم اشعر باهمية محمد شكري الا بعد ان تأملت سيرته الغريبة التي قرأتها بعد ان التقيت به لأكثر من مرة .. واعتقد انه الروائي العربي الوحيد الذي تمتع بقدر عال من الشفافية في ان يصّرح بكل شيىء ولا يخفي اي شيىء ، فهو صاحب قلب وعقل مفتوحين بكل نوافذهما على طنجة .. سمعت منه بعد اعتزازه بطنجة كمدينة متوسطية ساحرة مفتونة بالناس والعالم .. كذلك حبه للاسبانية وللثقافة الاسبانية واللغة الاسبانية التي كان يجيد العمل بها اجادة تامة . في تلك المرحلة في منتصف الثمانينيات وجدته لا يثير الانتباه الا عندما يتكلم ! جادلته بمسألة العروبة فقال ما عنده عنها ، وقد ثبت صدق طويته فهناك من يتحول عن مثاليتها وسموها لكي يغدو متوحشا ومفترسا تحت مظلة شوفينيتها كما هو حال الاحزاب الفاشية في المشرق – على حد تعبيره - ! كان يستمع لي وانا احلل قسمات من الخبز الحافي ، وقال : ساعيد أسطرتها من جديد عبر رؤية كالتي يشتهيها النقاد .. كان ينظر الى اصحابه ومحبيه وحتى نقاده بعيني طفل يريد ان يستزيد ولكنه دوما يذكرنا بريفيته التي يعتز بها اعتزازا ، ولكن كان يكره المجاعة والخوف .. ولم تختف طنجة ابدا عن لسانه ، ويكاد يفخر بها كونه اطلقها من محلية قابعة على شواطىء مضيق الى افاق العالم الرحبة من خلال كتاباته .. انه يشتهيها كأمرأة رائعة تقف عند نهاية نسوة يختلفن عنها .. لقد جعل شكري من طنجة امرأة حرة ولها انسانيتها لا مجرد سلعة تباع وتشرى كما يريدها البعض من المتحجرين المتبلدين... او كما اردوا لها ان تكون ! قلت له وشاركني الاصدقاء من شباب مغربي متحفّز ومثقف : كنت جريئا يا شكري في توصيف الجانب المخفي من تفكير الانسان .. انتعش وقال : اليس تلك دالة ستحسب لي في الكتابة الادبية العربية . قلت له : بلى .. عّقب بسرعة : وان لم يتقبلها ادباء ونقاد ووعاظ ومتقلدون ومتزمتون .. فسيتقبلها اناس ليس من هذا الزمن ! وهنا شعرت بأن للرجل احساس كبير بالزمن خصوصا وانه يسّمي " الكتابة " بـ " اليومي " . انني احي هذا الرجل الذي رحل عن الدنيا قبل اشهر اذ لم يمهله المرض ان يكمل عطاؤه الرائع وهو يستجيب زمانا ومكانا من ذلك التاريخ الفظ الذي نهش طفولته .. ولقد رحل معه ذلك الاحساس العميق بالواقع الذي كان يمقت ازوراره وزيفه وكل من يلعب على تناقضاته الفظة . وستبقى إنجازاته الأدبية الرائعة ببساطتها وتلقائيتها تفاجئ القارئ حيث لايتوقع مطلقا بكثافات شعرية تلتمع هنا وهناك.. كما تلتمع عينا هذا الصقر الريفي الذي يحلق بهدوء خارج زمنه فوق سماء طنجة. واخيرا اقول بأن اسم محمد شكري سيبقى علامة فارقة في الادبيات التي ابدعها العرب في القرن العشرين .. وسيبقى ذكره يدور على السن الاجيال .

    ( فصلة من كتاب الدكتور سيّار الجميل ، نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية – قيد النشر - ) .

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 15 ديسمبر 2018 - 1:30