من العين الى اقلب


في المسعى الدائم لتوفير محتوى عربي معاصر علمي و فكري وأدبي وفني، وفي جوّ دروب الحميمي الشفاف بين كتابه وقرائه، وتشجيعا للشباب العربي في اقتحام آفاق كتابة وموضوعات جديدة تقدم للقارئ بالعربية آينما كان،نفتح هذه النافذة الأفق للجميع للمساهمة بتقديم مقالات


    أعمـال محمـد شـكري... سـرد الشـارع والعالـم السـفلي

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 351
    نقاط : 35478
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 21/06/2009
    العمر : 25
    الموقع : http://maxinfo.ace.st

    أعمـال محمـد شـكري... سـرد الشـارع والعالـم السـفلي

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين 1 فبراير 2010 - 7:03

    أعمـال محمـد شـكري... سـرد الشـارع والعالـم السـفلي



    محمد الحجيري


    صدرت لدى "المركز الثقافي العربي" الاعمال الكاملة للروائي المغربي الراحل محمد شكري، هذا الكاتب الذي اشتهر بعلاقته بمدينة طنجة، المدينة الحلم لعدد كبير من الأجانب، فهي على الحد ما بين المتوسط الأطلسي، وما بين أوروبا وأفريقيا، وتمثل حلم الشرق لكثير من الكتاب والرحّالة والباحثين والرسامين عن حياة خارجة عن كل تقليد. كانت مدينة الحانات وبائعات الهوى، وكان الحشيش في كل مكان وتدخينه مباحا. في هذه الأماكن عاش محمد شكري حياة الصعلكة، حياة بين البحث عن اقصى المتعة والتعوّد على أقسى الحرمان.
    يحتفظ شكري ببعض الملامح من رحلة وصوله الى هذه المدينة. حين بلغها، لم يجدها ذلك الفردوس الموعود لكنها لم تكن جحيماً. جاء شكري إلى المدينة قهراً وليس اختياراً، ومن سوء حظه أن أباه كان هاربا من جيش فرانكو، وقبض عليه وسجن سنتين أمضاهما بين طنجة وأصيلة، واضطرت أمه الى بيع الخضر والفواكه في أسواق المدينة، بينما كان شكري يقتات من مزابل الاوروبيين الغنية لا مزابل المغاربة التي كانت فقيرة، على قوله. وفي ميناء طنجة باع شكري السجائر والحشيشة للاجانب، وكان يقود الجنود الاميركيين الى المواخير الاوروبية التي اشتهر بينها ماخور مدام سيمون.
    نهل محمد شكري من حياته في طنجة وارتبط اسمه باسمها، المدينة التي عاش في ثناياها. كتب أيضا عن الادباء الذين امضوا سنوات فيها. لكن شكري يعترف ان مدينته لم تجد كاتبها القادر على نقل سحرها بالطريقة التي يتم فيها نقل اساطير المدن الاخرى، شأن ماركيز الذي رفع اساطير امكنته الى مستوى المذهب الادبي الذي سمّي "الواقعية السحرية". لا ينظر شكري الى نفسه في اعتباره كاتب طنجة او الكاتب الذي ادخل المدينة في الوعي الانساني والادبي رغم ان هذه المدينة تحضر في كتاباته كأنها الركن الاساسي، سواء في سيرته "الخبز الحافي"، "زمن الاخطاء"، و"وجوه")، أو رواياته "السوق الداخلي"، او كتبه عن بول بولز وجان جينه وتنيسي وليامز. نجد شكري يطلق الصرخة الادبية بعد عيشه في طنجة، محتجاً على انواع الكتابات التي وضعت عن هذه المدينة، فيعتبر ان ما كتب لا يعدو كونه ارهاصات حاولت لمّ شتات الذاكرة. محمد شكري في اعماله كاتب اشكالي، كان لنصوصه وقعها الخاص سواء في الادب او في المجتمع، وان عارضه بعضهم الى حد كبير اخترق الواقع الثقافي بنصوص وصفها بعضهم بالسوقية والخالية من "الفلسفة"، بمعنى آخر جعل العالم الهامشي متناً، وادخل تفاصيل ولم يتجرأ غيره على تناوله بالحدية ذاتها، وهو وان قدم سيرة "مفبركة" بزعم خصومه، لكن "الفبركة" لم تكن حاجزاً أمام انتشارها وذيوعها في العالم، اذ تناولها القراء بوصفها أدبا يحمل تعابير عن الواقع الاجتماعي المصاب بحمى القسوة والنظام الأبوي.


    الخبز الحافي


    نهل شكري شهرته من روايته "الخبز الحافي" التي على الرغم من لائحة اعماله الادبية العديدة، يبقى شكري بامتياز صاحب "الخبز الحافي"، الكتاب الذي تجوّل في لغات العالم حاملا اسماً عربياً على نص اجنبي، في تعبير احد الشعراء، لكنه ظل ممنوعاً عشرين عاما في المغرب ثم منع منذ سنوات قليلة في مصر. اعترف شكري بالقول: "انا اريد قتل الشهرة التي منحتني اياها رواية "الخبز الحافي". لقد كتبت "زمن الاخطاء" ولم تمت، كتبت "وجوه" ولم تمت. ان "الخبز الحافي" لا تريد ان تموت، وهي تسحقني، اشعر انني مثل اولئك الكتّاب الذين سحقتهم شهرة كتاب واحد شأن سرفانتس مع "دون كيخوت"، او فلوبير مع "مدام بوفاري"، او د. هـ. لورنس مع "عشيق الليدي تشارلي". فـ"الخبز الحافي" لا تزال حية رافضة ان تموت، ابنة عاهرة. الاطفال في الشوارع لا ينادونني شكري، بل ينادونني "الخبز الحافي". هذا الكتاب يقول لي يوميا ها انا، هنا، حي".
    هكذا نشرت "الخبز الحافي" اسم شكري في كل الأصقاع. وخلق اهتماما به وبما كتبه بعده لكنه في الوقت نفسه قيد حريته الابداعية لأن النموذج أو "البست سيلير" يهضم الكتابات الأخرى ويفترس قيمتها ويقود ادبية الكاتب لانتاج نماذج مشابهة. لهذا صرح محمد شكري انه يريد ان يتخلص من "الخبز الحافي" بل طالب باحراقه. اما "زمن الاخطاء" (او الشطار) الذي يعتبر الجزء الثاني المكمّل لهذه السيرة الذاتية الروائية، فصدر في المغرب في اواخر الثمانينيات، ولم تقابله الرقابة بالرفض ربما لأنه لم يُكتب بـ"الصلف والفجاجة"، اللذين اتصفت بهما "الخبز الحافي". اتبع الروايتين بـ"وجوه" الذي يمكن اعتباره صدى اصوات آتية من العوالم السفلية للحياة. صورة عن الواقع المرير للهامش المغربي في طنجة بصفة خاصة وفي مدن أخرى بصفة عامة. في وسعنا القول ان "زمن الاخطاء" و"وجوه" محض استطرادات وهوامش مكمّلة لـ"الخبز الحافي". حتى في كتبه الاخرى عن جان جينه وتنيسي وليامز وبول بولز بدا كأنه يغرق في ذكرياته وماضيه وزمن "طنجته"، لكننا نجده في الوقت نفسه متصالحاً مع ما يكتبه، فيقدمه بلغة عارية، حادة تخلو من الكناية والتورية، لا ننسى قصص شكري ورواياته الاخرى من مثل "غواية الشحرور الابيض" و"الخيمة" و"مجنون الورد".
    يعتني محمد شكري بالسرد الهامشي، فهو خرج من الشارع وكتب عن الشارع بمعاناة وقسوة. نستشف من ادبه صورة عن الاب الشرير والقاسي والمر، صورة عن الواقع والمجتمع والمدينة والنساء والأب. قال محمد شكري في "خبزه الحافي": "ان موت ابي في ذهني تم في اللحظة التي مات فيها أخي. اننا لا نقتل آباءنا بقدر ما يقتلون انفسهم فينا. ان الأب هو الذي يعجل او يؤجل، يقصر أو يطيل موته في ابنائه. الموت درجات متفاوتة". يحكي عن كرهه لأبيه، هذا الأب الشاذ في العنف الذي كان يمارسه ضد "شحرور طنجة" وضد بقية ابنائه وزوجته. يعود الاب ثملا يوزع الشتائم صائحا في كل اتجاه، فتستيقظ الزوجة صامتة خوفا من الضرب الذي كانت آثاره تظهر على وجهها وجسدها. نجد الاب يكره ابنه ليس فقط في مرحلة صباه، بل حتى بعدما استقل عنه واصبح رجلا متعلما يعمل مدرّسا في مدرسة حكومية. فكان الاب لا يفتأ يلاحقه بالسخرية امام اصدقائه وزملائه إن التقاه بينهم في حانة او حتى في الطريق، مرددا امامهم انه ابن عاجز جنسيا. يحكي شكري انه لم يعرف بالضبط عدد اخوته او عدد الاطفال الذين ولدتهم امه فقد كان منهم من يموت قبل الولادة او بعدها مباشرة، وعندما غادر كوخ الاسرة، لم يكن يعرف عدد اخوته. حتى هذه الام التي توفيت عام ١٩٨٤ هي نفسها لم تكن تعرف عدد الاطفال الذين وضعتهم.


    أدباء ومدينة


    عاش محمد شكري ثنايا طنجة ونهل رواياته من حياته فيها، وكتب أيضا عن الأدباء الذين امضوا سنوات فيها. فإذا قلنا انه في روايته "الخبز الحافي" يسرد العالم السفلي الذي عاش في كنفه، فهو في كتب أخرى يكتب عن أدباء عاشوا في هذه المدينة، يقول شكري في مقدمة كتابه عن بول بولز: "ان اكثر ما يكتب عن طنجة اليوم، كتب هي بمثابة بطاقات بريدية. فقد يمكث كاتب في طنجة أسابيع ويكتب عنها كتبا متبجحا بما يعرفه عن خفاياها وعن جغرافيتها السرية وأمجادها العابرة والمشاهير الذين عاشوا فيها او مروا بها. انهم لكثيرون الذين يكتبون عن المغرب بطاقات بريدية فيهرّجون الكتابة ويسطحونها، بحثا عن شهرة مجانية، فقاعية". سيعيد شكري اكتشاف مدينته من خلال زوارها في صورة ناسها، وأسواقها، وبيوتها، ليس بالمعنى السيكولوجي وحده، وإنما بالمعنى الثقافي أيضاً. كتب شكري عن بول بولز صاحب كتاب "السماء الواقية". هذا الأديب افتتن بالرحلات منذ نعومة أظفاره، وقد حفزته على هذا الطقس تربية والديه القاسية، لكن رحلاته شكلت المادة الأولية لمعظم كتبه الافتتانية والغرائبية، اذ لا تخلو قصة أو رواية من رحلة بعيدة. سنعرف ان بولز أسس من خلال كتاباته ورحلاته وحياته المتميزة، عالم الهيبيين، نافياً في شكل مطلق ان يكون منتمياً الى البيتنكس الاميركي. جاء الى طنجة ليقضي صيفا، مثل العابرين بها، فاذا به يخلد فيها، عاش بولز متمنياً لو ان الاشياء ظلت ثابة كما اسعدته في زمن ما، وان التغيرات الجغرافية، والتورايخ والثقافات الجديدة قد افسدت عليه متعة العيش اينما ارتحل، ربما فضل البقاء في طنجة لأن فضاءها يكاد يخلو من مفهوم الزمن والحركة بالمقارنة مع الغرب عندما جاءها اول مرة.
    كتب محمد شكري مذكراته مع جان جينه بتاريخ متسلسل مثلما التقى به، ثم توقف عن كتابتها لأن جينه لم يكن راضياً عن الاستمرار في كتابتها. جينه زار طنجة أكثر من مرة وكان يتضايق من معرفة الناس بسهولة. قال احدهم: "من يقترب من جينه فعليه ان يتوقع إما صفعة وإما قبلة على وجهه". هكذا هو جان جينه، رمال متحركة تغوي الآخرين رغم قسوتها. يقول عن نفسه: "أنا صبي سيئ السمعة وسوقي". "تقوم شجاعتي على هدم أنماط العيش المعتادة كلها واكتشاف غيرها". تنيسي وليامز في طنجة لم يكن مجرد حادث عرضي ليكتب شكري مذكراته عنه كما عن جنيه بتاريخ متسلسل، رغم الحاجز اللغوي بين شكري وتينسي سيترك مسافة كافية بين الرجلين، كان على شكري هدمها باكتشاف دعابة تنيسي.


    محاسبة


    بعد وفاة شكري كثُر الذين يتحدثون عن أسراره، نشر بعضهم رسائل متبادلة معه، وثمة دور نشر اصدرت حوارات طويلة اجريت معه. وكل يبقى من الامور البديهية، مقارنة بما فعله الكاتب المغربي حسن العشاب الذي اصدر كتابا عنوانه "محمد شكري كما عرفته" (دار الرؤية) وألقى أضواء على جوانب مجهولة من حياة شكري الذي يعتبره تلميذه أنقذه من التشرد ليصير "أسطورة أدبية" منذ صدرت سيرته الذاتية. حسن العشاب ليس مجرد صديق قديم لصاحب "الخبز الحافي"، بل معلمه الأول. وشكري لم يكن قط ناكراً للجميل. فقد كان يحكي دائماً ــ سواء في حواراته أو حتى في رواياته ــ عن هذا الرجل الذي غيّر مجرى حياته، لكن يبدو ان العشاب يريد قسطاً من شهرة تلميذه، كما فعل تلميذه مع المشاهير الذين زاروا طنجة، اي لنقل ان الاستاذ يقلد التلميذ. كان لقاؤهما في أحد مقاهي الصيادين في طنجة نقطة تحول حقيقية في حياة ذلك الطفل المشرد الذي كان يبيع السجائر المهربة لتدبير لقمة العيش. أما حسن العشاب فظل يعمل حتى تقاعده أستاذاً في إحدى ثانويات مدينة أصيلة عازفاً عن الأضواء. وحتى عندما نودِيَ عليه ليصعد إلى المنصة لحظة تكريم صاحب شكري في أصيلة، لم يصعد. يقول العشاب: "لقد تعلم شكري القراءة والكتابة في سن الحادية عشرة. وما كان يروجه من أنه ظل أمياً حتى سن العشرين، كان من أجل إثارة الانتباه فقط. وعندما كنت أثير معه هذا الموضوع، كان يجيبني بأن ٦٠ في المئة من الكتب التي تتناول حياة أصحابها تعتمد المبالغة وبعض الكذب من أجل التشويق". يضيف العشاب ان سيرة شكري حملت بصمة كاتب أميركي أعاد صياغتها كعمل فني مصطنع لتحمل طابعا فضائحيا "حتى ينال الكتاب الاعجاب بجرأة الكاتب الامي" في إشارة إلى شكري الذي تعلم الكتابة في سن متأخرة.
    يروي العشاب أن شكري قدم له مخطوطة "الخبز الحافي" ليبدي رأيه فيها ويرى مدى صلاحيتها للنشر كسيرة ذاتية فمنحه "المعلم" بعض التفاؤل قائلا انها "قابلة للتصحيح والتغيير" لتصبح كتابا. ويضيف أن شكري صارحه بأنه قدم نسخا من هذه "الأوراق" إلى بول بولز الذي قام بالتغيير ليجعل من أوراق شكري كتابا بالانكليزية "حينها يمكن ترجمته للعربية فتتحقق الامنية باخراج السيرة الذاتية لشكري الى الفضاء الأدبي دخولا للتاريخ من بابه الواسع". ويضيف العشاب أنه عاتب بولز "على قلب الحقائق في أوراق شكري" فأجابه بأن الكتابة الأدبية تقتضي ذلك قائلا "كان لزاما أن أجعل السيرة الذاتية لشكري على الطريقة التي تتطابق مع سيرة غيره من الصعاليك" في قالب مثير. ويقول العشاب "تأكدت من أن ما كتب هو مبالغ فيه... الكتاــبة ارتبطت في ذاكرة القراء بفضح المستور لتكون الإثــارة وسيلة لينال الكتاب اعجاب القراء بجــرأة الكاتب". مهما يكتب العشاب تبقَ مواقفه هامشية قبالة "نجومية" محمد شكري الذي اصبح اسلوباً في الأدب، وهو المغضوب عليه في الثقافة العربية الرسمية.



    السفير الجمعة 18/7/2008

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 20:11